السيد علي عاشور
87
موسوعة أهل البيت ( ع )
فنصّ اللّه تعالى بأنّه كان حين يخاطب أباه صدّيقا نبيّا وقال في الآية الأولى وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً . فلم يكن حين ابتلائه بالأصنام إماما بل كان نبيّا ، ورزق الإمامة بعد ذلك . فإذا ساقنا الدليل إلى أنّ الإمامة في الآية غير النّبوة ، فنقول كما في المجمع : أنّ المستفاد من لفظ الإمام أمران : أحدهما أنّه المقتدى به في أفعاله وأقواله ، والثاني أنّه الذي يقوم بتدبير الأمّة وسياستها ، والقيام بأمورها وتأديب جناتها وتولية ولاتها وإقامة الحدود على مستحقيها ، ومحاربة من يكيدها ويعاديها ، فعلى الوجه الأوّل لا يكون نبيّ من الأنبياء إلّا وهو إمام ، وعلى الوجه الثاني لا يجب في كلّ نبيّ أن يكون إماما ، إذ يجوز أن يكون مأمورا بتأديب الجناة ، ومحاربة العداة والدفاع عن حوزة الدين ومجاهدة الكافرين . ثمّ إنّ معنى الإمامة في الآية ليس مجرد مفهوم اللفظ منها ، بل هي الموهبة الإلهية يهب لمن يشاء من عباده الصابرين الموقنين كما قال عز من قائل وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمَّا صَبَرُوا وَكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ « 1 » . وإنّما أطلق الصبر ولم يذكر متعلقه بأنّهم صبروا فبماذا ؟ ليعمّ صبرهم في أنواع البلاء . فالإمامة هي الولاية من اللّه تعالى لهداية النّاس بأمر اللّه تعالى ، التي توجب لصاحبها التصرّف في العالم العنصري وتدبيره بإصلاح فساده ، وإظهار الكمالات فيه الاختصاص صاحبها بعناية إلهية ، توجب له قوة في نفسه لا يمنعها الاشتغال بالبدن عن الاتصال بالعالم العلوي واكتساب العلم الغيبي منه ، فبذلك التحقيق وبما بيّناه في أبحاثنا الماضية يظهر جواب ما استدلّ النيسابوري وغيره على أنّ المراد بالإمام هو النّبيّ . ثمّ إنّ الآية تدلّ على أنّ الإمام الهادي للناس بأمره تعالى يجب أن يكون منصوصا من عند اللّه تعالى ، حيث قال تعالى : إنّي جاعلك للناس إماما كما لا يخفى على من له أدنى دراية في أساليب الكلام . والعجب من النيسابوري حيث قال في تفسيره : ثم القائلون بأنّ الإمام لا يصير إماما إلّا بالنصّ ، تمسّكوا بهذه الآية وأمثالها من نحو : إنّي جاعل في الأرض خليفة - يا داود إنّا جعلناك خليفة ، ومنع بأنّ الإمام يراد به ههنا النّبي سلّمنا أنّ المراد به مطلق الإمام ، لكن الآية تدلّ على أنّ النصّ طريق الإمامة وذلك لا نزاع فيه إنّما النزاع في أنّه لا طريق للإمام سوى النصّ ولا دلالة في الآية على ذلك ، انتهى . وبما حققناه وبيّناه في المقام يظهر لك أنّ كلامه هذا في غاية السقوط . نعم أنّه أنصف في المقام وقال :
--> ( 1 ) سورة السجدة ، الآية : 24 .